أحمد بن محمد ابن عربشاه
410
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
لا أقصده بأذى ولا يطاوعني قلبي على ذلك أبدا ، ولو فعلت ذلك لسعيت في دمارى وخراب ديارى ، وجدعت أنفى « 1 » بكفى وبحثت عن حتفى بظلفى « 2 » ، وجززت بيدي رأسي وقطعت قدمي بفأسى ، وقلعت بإصبعى مقلتى ، واستحفظت ملك الموت مهجتي ، ولصرت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي والله لا يحب المفسدين ، فاطو عنى هذا الكلام وارجع عن مفاوضتى بسلام ، ولا تشكك به جنانك ، ولا تحرك به لسانك . وكان بالقرب منهما وكر فارة ، وقد سمعت ما جرى بينهما من عبارة ، ووعت كلامها وما دار بينهما من كل منهما ، فلما رأى الدب المريد أن كلامه للجمل لا يفيد ، أمسك واحتشم وأخذه في ذلك الندم ، ولكن حال من الجمل الحال وأثر فيه هذا المقال ، واستولى عليه من الأوجال « 3 » ما أداه إلى الهزال ، وصيّره من الانتحال كالخلال ، وذهب ما كان عليه من النشاط ، وداخله الهم والاختباط ، وصار كل يوم في انحطاط ، ولم يزل بين نضو ورازح « 4 » ورازم ونازح « 5 » ، فتعجب الأسد من حاله ولم يقف على سبب هزاله . وكان عند الأسد غراب مقدم على الأصحاب ، هو وزيره ومعتمده ، وصاحب أخباره وعضده ، فعرض عليه حال الجمل وما شاهده منه من وجل ، وقال : أنا عففت عن أكل اللحوم ورضيت من العيش بأدنى الطعوم ، وهذا أمر قد عرف واستقر ، فما بال هذا الجمل لا يأخذه مقر ، فأريد أن تعرف حاله وتخبرني صدقه ومحاله .
--> ( 1 ) قطعتها . ( 2 ) الظلف هو حافر الدابة . ( 3 ) الأوجال ، مفردها وجل : الخوف . ( 4 ) بين نضو ورازح : بين نشيط ومتعب . ( 5 ) رازم ونازح : ملازم لمكانه لا يبرحه ، وتارك لمكانه بعيدا عنه ، والمعنى : حاله غير مستقر كثير التغير .